ما انت فاعل يوم تـُحاسب عن سنين عمرك؟؟

عائشة بنت الصديق رضي الله عنها وعن أبيها ٢



*- في فضلِها نزلتْ آيةُ التَّيمُّم ، سافرَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مع أصحابهِ في غزوةٍ ولما رجعَ في الطَّريقِ صلَّى الله عليه وسلَّم جلسوا ، لأنهم كانوا يسيرون في الليل ويرتاحون في النهار لترتاح الدَّوابُّ وهم يرتاحون ، فكانوا دائماً يسيرون في الليل ويرتاحون في النهار .
في يومٍ منَ الأيام أثناءَ سفرِهم ارتاحوا في النهارِ ثم لما جاؤوا ينطلقون في آخرِ العصرِ قريب منَ المغرب وإذا عائشةُ فقدتْ عِقْدَها فجاءتْ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قالتْ : فقدتُ عِقْدِي .
قالَ : ما أحد يسافرُ ، تبحثون عن عِقْدِها .
فأوقفَ النَّاسَ كلَّهم ليبحثوا عن عِقْدِ عائشةَ رضيَ الله عنها .
فالنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم جاءَ وهو متعبٌ فجاءَ ونامَ على فَخِذِ عائشةَ رضيَ الله عنها ، والنَّاسُ يبحثون عن عِقْدِ عائشةَ رضيَ الله عنها .
تقولُ : فجاءَ أبو بكر الصِّدِّيق - أبوها - وهي صغيرةٌ في السِّنِّ ( يعني على ما نقول نحن في التعش ) يعني ثلاثة عشرة سنة ، أربعة عشرة سنة ، هكذا في سِنٍّ صغيرةٍ ، فجاءَها أبوها أبو بكر الصِّدِّيق .
تقولُ : فقالَ لي : يا بُنَيَّة ، حبستِ رسولَ الله وحبستِ النَّاسَ لأجلِ عِقْدٍ ؟؟!!
تقولُ : وكانَ ينغزُني في بطني ، في خاصرتي .. يضربني بأصبعه .
في خاصرتها ضرب.. ما يقدر يصرخ ، ما يقدر لأنَّ الرَّسولَ صلَّى الله عليه وسلَّم نائمٌ بجانبه
فيقولُ : حبستِ رسولَ الله لأجلِ عِقْدٍ!! فيضرب
تقولُ : ألم ولكنْ لا أستطيعُ أنْ أتكلَّم لأنَّ الرَّسولَ على فَخِذِي ، صلَّى الله عليه وسلَّم .
تقولُ : و فَقَدَ النَّاسُ الماءَ .
تقولُ : وبينما نحن كذلك نزلتْ على النبيِّ آياتُ التَّيمُّم .
فقالَ أبو موسى الأشعريّ : ليستْ هذه بأوَّل بركاتِكم يا آلَ أبي بكر الصِّدِّيق
يعني نزلتْ هذه الآية ، آية التيمم ، قول الله تبارك وتعالى :" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا...(6) سورة المائدة فنزلتْ هذه الآيةُ ، وقيلَ آية النِّساء التي نزلتْ في تيمُّم النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، المهم أنها نزلتْ آيةُ التَّيمُّم في سببِ عائشةَ رضيَ الله عنها .
ولذلك كانَ يقولُ أبو موسى الأشعري : ليس هذا بأوَّل فضلِكم يا آلَ أبي بكر .
*- عائشةُ رضيَ الله عنها وأرضاها كانتْ صوَّامةً ، كانتْ تصومُ الدَّهرَ كلَّه ما تفطرُ إلا في العيدِ .. في يومي العيد فقط عيد الفطر وعيد الأضحى وتصوم الدَّهر كلَّه.. تسردُ الصَّومَ ، وهذا كانَ هدياً لكثيرٍ منَ السَّلَفِ رحمهم الله تبارك وتعالى كانوا يسردون الصَّومَ .
وكانَ بعضُهم يغيبُ عنه حديثُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم : " أفضلُ الصَّومِ صومُ داوود ، كانَ يصومُ يوماً ويفطرُ يوماً " ، وبعضُهم كانَ يتأوَّل بهذه المسألة لمنْ كانَ لا يستطيعُ أنْ يصومَ كلَّ يومٍ ، لكن الشَّاهد أنَّ عائشةَ رضيَ الله عنها كانتْ تسردُ الصَّومَ فلا تفطرُ إلا في يوم الفطر ويوم الأضحى فقط وأيام التشريق الأيام المنهي عن صومِها فقط ، وإلا كانتْ تسردُ الصَّومَ رضيَ الله عنها .
*- وكانتْ كثيرةَ النَّفَقَةِ .. جاءَها النبيُّ يوماً بشاةٍ فقالَ لها : احفظي هذه الشَّاة .
أعطاها الشاة .. ثم خرجَ إلى أصحابهِ فلما رجعَ إلى البيتِ قالَ : ما بقيَ في الشَّاةِ .
لأنه قد علَّمها النَّفَقَةَ وتعلَّمتْ هذا في بيتِ أبي بكرٍ
قالَ :ما بقيَ منَ الشَّاةِ ؟
قالتْ : ذهبتْ كلُّها إلا الذِّراعَ .
لأنَّ الرَّسولَ كانَ يحبُّ الذِّراعَ صلَّى الله عليه وسلَّم فأبقتْه له صلَّى الله عليه وسلَّم وتصدَّقتْ بالشَّاةِ كلِّها .
فقالَ لها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : بل بقيتْ كلُّها إلا الذِّراع .
يعني ما تصدَّقتِ به هو الذي بقيَ ، أي عند الله جلَّ وعلا .. احتسبي الأجرَ فيه .
لم تنسَ هذه الكلمةَ منْ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم .
*- ولذلك في عهدِ معاويةَ أُتِيَتْ عائشةُ بمئة ألف دينار ..أُعْطِيَتْ لها ، فلما وصلتْها هذه الأموالُ تصدَّقتْ بها في اليوم نفسهِ قبل ما يؤذِّن المغرب .. منَ العصر تصدَّقتْ بالمالِ كلِّه .
لنفرضِ الماَل وصلَها الضُّحى .. ما أذَّن عليها العصرُ إلا المال كلّه نفذَ .
فقالتْ لها خادمتُها بَريرة : يا أمَّ المؤمنين لو أبقيتِ ديناراً نشتري به لحماً لفطركِ .
يعني أنتِ صائمةٌ ما عندك شيء تأكلينه للفطور
لو أبقيتِ ديناراً لنشتريَ به لحماً لفطركِ
فماذا قالتْ لها أمُّ المؤمنين ؟
قالتْ : لو ذكَّرتِني لفعلتُ
ما ذكرتني كنتُ أخفيتُ ديناراً ولكنْ ما ذكَّرتني .. فتصدَّقتْ بالمالِ كلِّه رضيَ الله عنها .
*- وتصدَّقتْ يوماً بصدقةٍ عظيمةٍ فغضبَ عبدُ الله بنُ الزُّبير ، ابنُ أختِها ، وكانتْ تحبُّه كثيراً ، بل كانتْ تكنى بأمِّ عبدِ الله مع أنه ما عندها عيال رضيَ الله عنها لكنْ تكنى بعبد الله بنِ الزُّبير ، يقالُ لها : أمّ عبد الله ، وكانتْ تحبُّه كثيراً .
فتصدَّقتْ يوماً بصدقةٍ عظيمةٍ
فغضبَ عبدُ الله بنُ الزُّبير لما قيلَ له ، قالَ: أو فعلتْ ذلك ؟!
قالوا : نعم .
قالَ : لأَحْجُرَنَّ عليها .. لأحجرنَّ عليها .
فبلغَ الكلامُ عائشةَ رضيَ الله عنها .
قالوا : إنَّ عبدَ الله بنَ الزُّبير غضبَ لهذه الصَّدقةِ الكبيرةِ التي تصدَّقتِ بها وقال : لأحجرنَّ عليها .
قالتْ : أوَ قالَ ذلك ؟! أوَ قالَ ذلك ؟!
قالوا : نعم .
قالتْ : والله لا أكلِّمه أبداً حتى يفرِّق بيني وبينه الموتُ .
كيفَ يقولُ عني هذا الكلامَ ، أنا خالتُه وأمُّه
أمّ المؤمنين وخالته يقولُ عني هذا الكلام ؟! والله لا كلَّمته أبداً حتى يفرِّق الموتُ بيني وبينه.
فلمَّا بلغَ هذا الشَّيء عبدَ الله بنَ الزُّبير حزنَ كثيراً .. يروحُ لها ما تكلِّمه .. يحاولُ ما تكلِّمه .. يدز واسطات ما فيه فائدة .. أبداً ما تردّ عليه .
حتى جاءَ يومٌ عملَ معها حيلةً وهو أنه استأذنَ المِسْوَر بن مَخْرَمَة وعبد الرحمن بن يزيد بن الأسود فقالَ لهما : استئذنا على عائشةَ وأدخلاني معكما .
قالوا : كيف ، هي لا تأذنُ لك ؟!!
فاتَّفقَ معهما على حيلةٍ ، فجاءَ عبدُ الرحمن بن يزيد والمِسْوَر بنُ مَخْرَمَة فاستأذنا على عائشةَ ، يريدان أنْ يدخلا يسألانها في مسألةٍ ، ودخلَ عبدُ الله بنُ الزُّبير تحت عباءةِ أحدِهما ، يعني تحت البشت... يعني يلبس عباءة (بشت) ودخلَ تحت البشت ، فاستأذنا
قالوا : ندخل ؟
قالتْ : نعم ادخلا .
قال : ندخلُ كلُّنا ؟
لأنَّ معهما آخر .
قال : أندخلُ كلُّنا ؟
قالتْ : نعم كلُّكم .
هي تظنُّ هذان .. يعني هذين اثنين سيدخلان
فقالتْ : نعم كلُّكم .
فدخلوا عليها وهي منْ وراء حجابٍ ساترٍ بينها وبينهما أو بينهم لأنَّ معهم ثالث عبد الله بن الزبير ، فاخترقَ الحجابَ ودخلَ عليها واحتضنَها وبكى رضيَ الله عنه وعنها ، فبكتْ ولم تملكْ نفسَها لأنها كانتْ تحبُّه كثيراً ، فبكى وبكتْ وطلبَ منها أنْ تغفرَ له وأنْ تسامحَه وكذا .. ثم تكلَّم المِسْوَر وعبد الرحمن بن يزيد يعني يطلبان منها أنْ تسامحَ ، وذكرا لها حديثَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم : " لا يحلُّ لمسلمٍ أنْ يهجرَ أخاه فوق ثلاثٍ " ، المهم ما زالا معها ما زالا معها حتى رضيتْ عنه رضيَ الله عنها ، ثم بعد ذلك - لأنها حلفتْ ألا تكلِّمه - بعد ذلك أعتقتْ أربعين نفساً .. اشترتْ أربعين عبداً وأعتقتهم لتكفِّر عن يمينها رضيَ الله عنها وأرضاها .
*- خيَّر الله أو أمرَ الله نبيَّه أنْ يخيِّر نساءَه : " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا(29) "سورة الاحزاب ، فجمعَ النبيُّ نساءَه وقرأَ عليهنَّ هاتين الآيتين "...إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا..." لأنه اشتكينَ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم شظفَ العيشِ .
لأنَّ عائشةَ ماذا تقولُ ؟
قالتْ : كانَ يمرُّ الهلالُ ثم الهلالُ ثم الهلالُ لا يُوْقَدُ في بيتِ رسولِ الله نارٌ .
حتى قالَ لها عروةُ ابنُ أختها : فماذا كانَ طعامُكم ؟
قالتْ : الأسودان التَّمر و الماء .
هذا بيتُ الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم يأكلُ تمراً وماءً فقط ... يمرُّ الهلالُ ثم الهلالُ ثم الهلالُ يعني تسعين يوماً .
أبداً ما فيه ..الأسودان التمر والماء .
فبعضُ نساءِ النبيِّ طلبنَ منه أنْ يعطيهنَّ منَ المال أو يفتحَ لهنَّ منْ أمور الدُّنيا وكذا...
فأنزلَ الله تباركَ وتعالى : " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا " أطلقكنَّ وعِشْنَ هذه الحياةَ الدُّنيا .
وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا " فجمعهنَّ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وقرأ عليهنَّ
وقالَ : اخترنَ هذا أو هذا .. الحياة الدنيا أو الدَّار الآخرة ؟
ثم نادى عائشةَ لأنه كانَ يحبُّها
وقالَ : " لا تتعجَّلي استشيري والديكِ .. لا تتعجَّلي استشيري والديكِ "
لأنه كما قلنا كانتْ صغيرةً ، النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم تُوُفِّيَ وعمرُها ثماني عشرة سنةً
فقالَ : استشيري أبويك.
فقالتْ : يا رسولَ الله أوَ أختارُ غيرَك؟!! فإني أختارُك ..أختارُ الله ورسولَه والدَّار الآخرةَ .

*- فهي أوَّل مَنِ اختارَ منَ النِّساءِ على صِغَرِ سِنِّها ، هي أوَّل واحدة في نساءِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم اختارتِ الله ورسولَه والدَّارَ الآخرةَ رضيَ الله عنها وأرضاها .
*- وقعتْ لها حادثةٌ في حياةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، حادثةٌ مريرةٌ .
وهي حادثةُ الإفكِ ، حيثُ إنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم سافرَ في غزوةِ بني المصطلق وفي العودة .. وقعتْ قِصَّةٌ طويلةٌ لا مجالَ الآن لذكرِ تفاصيلِها ولكنْ تأخَّرتْ عائشةُ رضيَ الله عنها ، ذهبتْ تقضي حاجتَها فانطلقَ الجيشُ يظنونها قد ركبتْ في هودجِها على جملِها ولم تكنْ كذلك .
كانتْ تبحثُ عن عِقْدِها ، فسافرَ النَّاسُ ، ثم بقيتْ وحدَها رضيَ الله عنها ، وجاءَ صفوانُ بنُ المعَطِّل في الفجر .
قلنا إنَّ النبيَّ كانَ يسيرُ في الليل ويرتاحُ في النهار ، فكانَ مرتاحاً النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، قبيل المغرب النبيُّ أرادَ أنْ ينطلقَ .
عائشةُ ذهبتْ تبحثُ عن عِقْدِها .
مرَّتين ضاعَ عِقْدُها ، مرَّة عندما نزلتْ آيةُ التيمُّم وهذه المرَّة ،ولكن هذه المرَّة عِقْدُ أسماء أختها كانَ عندها ، فالمهم أنها فقدتِ العِقْدَ فصارتْ تبحثُ عنه فانطلقَ الجيشُ ، رجعتْ ما وجدتْ أحداً وكانَ الليلُ قد دخلَ عليها .
فظلَّت في مكانها تنتظرُ أنهم يفقدونها ثم يرجعون إليها ، هم لا يقفون ، يسيرون طوالَ الليل إلى الفجر تقريباً .
فانتظرتْ في مكانها رضيَ الله عنها ثم نامتْ ، وفي الفجر صفوان بن المعَطِّل قدَّر الله أنه متأخِّر فجاءَ في نفسِ الطَّريق فوجدَ السَّوادَ منْ بعيدٍ ، فلمَّا اقتربَ فإذا هي أمُّ المؤمنين عائشة رضيَ الله عنها ، فنوَّخ جملَه ( أناخه) ، ثم ركبتْ على الجملِ وسارَ يقودُه مشياً على الأقدام ، هو يمشي وهي على الجملِ حتى - لأنه قلنا إنهم يمشون في الليل وفي النهار- وقفَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مع أصحابهِ .. فقدوا عائشةَ .
فجاءَ صفوانُ بنُ المعَطِّل وصلَ إليهم في الضُّحى وإذا معه أمُّ المؤمنين عائشة رضيَ الله عنها .
فبعضُ النَّاسِ منَ المنافقين وجدَها فرصةً للطَّعن في النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقالَ الخبيثُ عبدُ الله بنُ أبيّ بن سَلول وغيره قالوا : ما جاءَ معها - أي صفوان - إلا وقد فجرَ بها وفجرتْ به .. والعياذُ بالله .
يعني اتهمَها بالزِّنا ، المهم انتشرَ هذا الخبرُ بين الناس - والعياذُ بالله - فصارَ بعضُ النَّاسِ يتناقلُ الخبرَ ، وممنْ نقلَ هذا الخبرَ منَ الطيِّبيين ثلاثة منَ الصَّحابةِ هؤلاء الصَّحابة الثلاث ( مِسْطَح بن أثاثة ابن خالة أبي بكر الصديق ، والثاني حسان بن ثابت شاعر النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، والثالث امرأة وهي حَمْنَة بنت جَحْش أخت زينب بنت جَحْش أمّ المؤمنين ) ، هؤلاء الثلاث سمعوا النَّاسَ يتكلَّمون فتكلَّموا .
قالوا : إنَّ عائشةَ وقعَ منها الزِّنا مع صفوان .
فهذا قذفٌ .
فالنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ظلَّ شهراً كاملاً لا يتكلَّم مع النَّاسِ في هذا الموضوع .
يعني مصيبة عظيمة حلَّت به صلواتُ ربي وسلامُه عليه أنه اتُّهِمَ في عرضهِ صلَّى الله عليه وسلَّم حتى أنزلَ الله براءَتها منَ السَّماء ، وسمَّى الحديث الذي دِير والذي تُكُلِّمَ فيه إفكاً فقال : " إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ .... 11() "سورة النور وبرَّأ الله عائشةَ رضيَ الله عنها .
ولذلك إذا مُدِحَتْ عائشةُ رضيَ الله عنها يقالُ لها ماذا ؟
المبرَّأة منْ فوق سبع سماوات ، أي انَّ الله برَّأها سبحانه وتعالى .
شاهدُ الأمرِ أنه بعد أنْ بُرِّئَتْ عائشةُ رضيَ الله عنها منْ هذا الإفكِ وكانَ حسَّان ممن تكلَّم فيها ، فجاءَ يعتذرُ حسان بن ثابت لأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم بعدما نزلتِ البراءةُ نادى حسَّان بنَ ثابت ومِسْطَح بن أثاثة وحمنة بنت جحش وجلدَهم حَدَّ القذف ثمانين ..ثمانين ..ثمانين ، كلّ واحد ثمانين جلدةً لقذفِهم لأمِّ المؤمنين عائشةَ رضيَ الله عنها .
ثم أرادَ حسَّان بنُ ثابت أنْ يعتذرَ لعائشةَ رضيَ الله عنها مما قالَ
فقالَ لها :
رأيتكِ وليغفرْ لكِ الله حُرَّةً *** مِنَ المحصَناتِ غيرِ ذاتِ غوائلِ
حَصَانٌ رَزَانٌ لا تُزَنُّ بريبةٍ *** وتصبحُ غَرْثَى منْ لحومِ الغوافلِ
فقالتْ له عائشةُ : ولكنك لستَ كذلك..أنتَ لستَ كذلك ، أنتَ تكلَّمتَ فيَّ .. ولكنك لستَ كذلك يا حسَّان .
فقالَ لها :
وإنَّ الذي قد قيلَ ليسَ بلائقٍ *** بكِ الدَّهرَ بل قيلُ امرئٍ مُتَمَاحِلِ
مُهَذَّبَةٌ قد طَيَّبَ الله خِيمَها *** وطهَّرها منْ كلِّ سُوءٍ وباطلِ
فإنْ كنتُ أهجوكم كما بلَّغوكمُ *** فلا رفعتْ سوطي إليَّ أناملي
وكيفَ ووُدِّي ماحَييتُ ونُصْرَتي *** لآلِ رسولِ الله زَيْنِ المحافلِ 
فاعتذرَ حسَّان لعائشةَ رضيَ الله عنها فرضيتْ وسامحته وانتهى هذا الأمرُ .
وكانتْ هذه الحادثةُ قد أُصِيبتْ بها عائشةُ ولها منَ العمر اثنتا عشرة سنة أو ثلاث عشرة سنة .
مرضتْ أمُّنا أمُّ المؤمنين عائشة سنة سبعٍ وستين منَ الهجرة وكانَ عندها ابنُ أخيها عبدُ الله بنُ عبد الرحمن بنِ أبي بكر الصِّدِّيق .
فجاءَ عبدُ الله بنُ عباس يستأذنُ عليها يريدُ أنْ يزورَها
فقالَ لها ابنُ أخيها : هذا عبدُ الله بنُ عباس يستأذنُ عليك .
قالتْ : دعني مِنِ ابنِ عباس ، فالذي أنا فيه...
يعني مشغولة بنفسِها في سكراتِ الموت .
قالتْ : دعني مِنِ ابنِ عباس
فقالَ لها عبدُ الله بنُ عبد الرحمن : يا عمَّتي ، عبدُ الله بنُ عباس منْ صالح المؤمنين يدعو لك ويراكِ .
قالتْ : إنْ شئتَ أنْ تأذنَ له فأذنْ له .
فدخلَ عبدُ الله بنُ عباس رضيَ الله عنهما
فقالَ لها عبدُ الله بنُ عباس :أبشري .
قالتْ : بماذا ؟
فقالَ : ما بينك وبين أنْ تلقي محمَّداً والأحبة إلا أنْ تخرجَ الرُّوحُ منَ الجسدِ . لأنها زوجتُه في الدُّنيا وزوجتُه في الجنَّة صلَّى الله عليه وسلَّم .
فقالَ : ما بينكِ وبين أنْ تلقي الأحبَّة محمَّداً وحزبه والأحبة إلا أنْ تخرجَ الرُّوحُ منَ الجسدِ ، وكنتِ أحبَّ نساءِ رسولِ الله إليه ، ولم يكنْ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يحبُّ إلا طيِّباً .
وهذه منَ السُّنة أنَّ الإنسان إذا دخلَ على الإنسان وهو في سكراتِ الموتِ أنْ يطيِّب خاطرَه وأنْ يحسِّنَ ظنَّه بالله تبارك وتعالى لأنه جاءَ في الحديثِ :" لا يموتنَّ أحدُكم إلا وهو يُحْسِنُ الظَّنَّ بالله جلَّ وعلا "
فالشَّاهدُ أنَّ ابنَ عباس يُحَسِّنُ ظنَّها بالله جلَّ وعلا
ثم قالَ : وسقطتْ قلادتُك ليلةَ الأبواء فأصبحَ رسولُ الله وأصبحَ النَّاسُ ليس معهم ماء ، فأنزلَ الله آيةَ التَّيمُّم ، وأنزلَ الله براءتك منْ فوقِ سبعِ سمواتٍ جاءَ بها الرُّوح الأمينُ ، فأصبحَ ليس مسجدٌ منْ مساجدِ الله إلا يُتلى فيه آناءَ الليل وآناءَ النهار ، أي تُقرأ هذه الآياتُ في براءتكِ .
قالتْ : دعني منكَ يا ابنَ عباس ، والذي نفسي بيدهِ لوددتُ أني كنتُ نسياً مَنْسِيّاً .
وهذا منْ خوفِ الإنسانِ منْ ربِّه تباركَ وتعالى .
وتُوُفِّيَتْ أمُّنا أمُّ المؤمنين عائشةُ رضيَ الله عنها ، وصلَّى عليها أبو هريرةَ في المدينةِ ، ثم دُفِنَتْ في البقيعِ ، ونزلَ معها في قبرِها خمسةٌ : عبد الله بن الزبير وعروة بن الزبير وهما ابنا أختها ، وعبد الله وعبد الرحمن ابنا القاسم أخيها ، وعبد الله بن عبد الرحمن ابن أخيها أيضاً ، هؤلاء الخمسة نزلوا معها في قبرِها رضيَ الله عنها وأرضاها ، وهذه حكايتُنا عن أمِّنا أمِّ المؤمنين عائشة رضيَ الله عنها.
أسألُ الله تباركَ وتعالى أنْ يحشرَنا وإيَّاكم معها ، والله أعلى و أعلم ، وصلَّى الله وسلَّم وباركَ على نبِّينا محمَّد .


منقول

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق